الرئيسيةثقافةهؤلاء هم في القلب
ثقافة

هؤلاء هم في القلب

الإعلامي حراث بن جدو

منذ كنت صغيرا وأنا على صلة بهؤلاء الكبار من إعلاميينا و مشاهيرنا الذين نعتز بهم في ساحتنا الإعلامية المشرفة ..كانوا كبارا وكانوا سببا في أن ألتحق بمعهد الإعلام والصحافة ..لقد كانوا وقتها يزينون الشاشة والأثير وصفحات الجرائد بهذا الإرث من الاضافات ينثرون عطرهم واضافاتهم..نعيش مضامين قصصهم الإخبارية ..بل نحاول جاهدين تقليد أصواتهم والوقوف متسمرين أمام الشاشة كي نسمع ما يقولون وما يرسمون من محطات إخبارية ..نعايشها ونعايش باتولوجيتهم ونحترق هوسا .. كي نعيش هاجسا تربى داخلنا أن نلتمس ذلك الوهج الذي يرافقهم في كل مكان …نسعد بهم ونتذكرهم ونعيش أصواتهم وتلك اللغة التي رسمت في آذاننا رنة ما ..تغوص في الذات.. كي تحيلنا على جمالياتهم الرائعة …كنت أعيش كاريزما كل واحد منهم ..أراه زمننا على شاكلة الرئيس والفخامة ..يلون المشهد كبيرا في محفل الإعلام ..حينما تربينا على المذياع وعلى شاشة الابيض والاسود.. تلازمنا كل نشرة أخبار يتداول عليها الكبار من صنف انساني لا يتكرر..
نعم هو ما كان يشدني إليه كثيرا.. ويعيد لي الروح.. كي أستمع واتمتع بتلك الطاقة العجيبة التي يخزنها ..ليسرد كل ما توافقت عليه رؤى واضافات .. إجتماع هيئة التحرير الذي يعقد قبل نشرة الثامنة …
والدي الشاعر الشعبي الراحل سعيد ضربان بن محمد المدعو سعيد بن اللبوخ …يبقى متسمرا أمام الشاشة.. شاشة تلفزيون صغير تغذيه بطارية سيارة كي ينفعنا وهجه .. يقوم بحالة طوارئ في موعد النشرة ..ينتظر حراث بن جدو وعبد القيوم بوكعباش وابراهيم بالبحري.. يريد أن يقول لنا نحن الصغار إياكم أن تتكلموا أو ترفعوا أصواتكم ..فموعد الجد بدأ ولم تبقى سوى دقائق كي نسمع أصواتهم أمامنا.. تحيلنا على الهواري بومدين وطاقمه الوزاري ..أخي علي ضربان كان لا يحترم أبدا حالة الطوارئ المعلنة من طرف والدي رحمة الله عليه و الذي كان يمتعض ليقول بسرعة كي لايفوته أي خبر :
” معليش نسمع النشرة ونوريلك الزنباع وين يتباع ” ..هو لايضربه أثناء النشرة ..أثناء موعد اللقاء بحراث بن جدو كي لا تضيع منه فقرات.. بل يتركه لما بعد النشرة.. كي يؤديه جيدا وبطريقته …والدتي المجاهدة حمدي فطيمة زهرة تقولي لأخي علي : ” ياطفل خي نبهتك وقتلك كي تجي النشرة تسكر فمك..خي تعرف باباك يسمعها ” ..
تلك طقوس جميلة كانت تطبع بيتنا التي كانت ترسم هذا المعنى الجميل في هؤلاء الإعلاميين الكبار ..حينما عشنا محطاتهم واضافاتهم وأصواتهم ولغتهم المتميزة ..أكاد أقول أن صوت الراحل حراث بن جدو لازال أحد الساعة ..يسكنني كما سكنتني كذلك.. أصوات كبار من صنف : عبد القيوم بوكعباش وابراهيم بالبحري ومحمد بوعزارة و برهوم بوجمعة وأحمد فاضلي وخليفة بن قارة وآخرون ..
يسكنني الإعلامي حراث بن جدو حينما يجتمع الكبار في مقاهي سيدي عيسى يستمعون للنشرة في كل زاوية تجدهم يتسمرون يحترمون هؤلاء الكبار من بينهم حراث بن جدو يقفون يستمعون كأن الأوامر أعطيت لهم كي يعيشوا نبرة صوته الجهوري وتلك الطاقة الصوتية التي تعطيك المضمون مشبعا بوطنية خالصة وبروح فدائية يلونها الزمن البومديني كي تعيش محطاته ..الوطنية تسكن الكبار والصغار ويعرفون جيدا أن هؤلاء الذين يزورونهم في تمام الثامنة مساءا ..هم لايلعبون بل هم مناضلون ووطنيون ومجاهدون على صلة بالوطن بالجزائر وبإرث تاريخي مجيد .. لابد المحافظة عليه لم يكن الناس حزبييين بل كانوا مناضلين بدون بطاقة.. كانوا على صلة بهؤلاء الذين يصنعون الحدث في كل مساء على الساعة الثامنة. …نعرفهم واحدا واحدا ونغوص في كينونتهم ونعايش لباسهم وهندامهم بل نشم من الشاشة حتى رائحة عطورهم ..كان يستمع إليهم الرئيس الهواري بومدين وكل الوزراء ..كانوا على صلة بهم حينما نصادف صورهم بالابيض والاسود ..نعيش محطة من الزمن الجميل ..زمن عشته وأنا صغير في عام 1973…حينما زار كل أفراد عائلتها بيت خالي الراحل أحمد في حي سوسطارة وبيت عماتي في أحياء : ميسوني ..وسيتي محي الدين وسيتي ذويب بوبيو ..وكذا حي بلكور..وقتها كنت أشتري لإبن عمتي الراحل عبد القادر بن صادق .. يومية المجاهد بالفرنسية من صفحات الحجم الكبير. . أعايش فيها صور الزعماء الذين زاروا الجزائر في عام 1973 بمناسبة انعقاد مؤتمر بلدان عدم الانحياز..نعيش مرة أخرى مع تداول الكبار حراث بن جدو وعبد القيوم بوكعباش وابراهيم بالبحري ومحمد ملائكة ..شاشة التلفزيون نستمع لكلمات الرؤساء الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والراحل معمر القذافي الى جانب الهواري بومدين ليخطب فيما جوزيف بروز تيتو اليوغسلافي مع فيدال كاسترو الكوبي ..سلسلة من أسماء تصنع الحدث تلونها الشاشة اخبارا على الساعة الثامنة كأنهم الناطقون الرسميون باسم الهواري بومدين ..كنت أعيش هذا الزخم فرحت لكون زيارتنا للعاصمة تزامنت مع هذا الحدث العظيم..أن ترى العاصمة في أجمل حلة لها..أعلام دول عدم الانحياز ترفرف في كل أرجاء العاصمة ..وجينيريك التلفزيون تستمع لتلك نبرة الصوتية يطلقها أحمد فاضلي ترسم لك حكاية أليفة كي تعيش لروح الجزائر ..تستمع وتستمتع.. حينما يأتيك صوت أحمد فاضلي ارتبط بعدم الانحياز ومؤتمر الجزائر ..” من باندونغ الى الجزائر ” يمتزج الحلم الاندونيسي عبر احمد سوكارنو ووهج الجزائر يلونه الراحل هواري بومدين …
هو فصل من الفرح والمعنى لمشاهير الابيض والاسود الذين عايشت صورهم ومحطاتهم ولم أجد أجمل من تراجم عنهم إلا تلك التي كتبها الإعلامي الكبير محمد بوعزارة في الراحل الإعلامي حراث بن جدو وكذا الإعلامي خليفة بن قارة وهذا عبر تأبينية أقيمت بيومية الحوار حينما هندس الإعلامي محمد بوعزارة بمعية الإعلامي محمد يعقوبي مدير يومية الحوار الجزائرية وعبر منبر منتدى الحوار.. هذا المعنى الذي قربنا من تفاصيل تراجم الراحل الإعلامي حراث بن جدو.. ورسم لنا سيرة الرجل ..
لذلك يبقى الإعلامي الكبير محمد بوعزارة وما كتبه فيه وفي أعلام كثيرين المعنى المشهود لخلاصات من تفاصيل الراحل الإعلامي حراث بن جدو ..

*يقول محمد بوعزارة في هذا السياق ما يلي :
” مع حلول المغرب من يوم الأربعاء 15 ماي 2019 انتقل إلى رحمة الله واحد من أعز الأصدقاء الذين عرفتهم منذ دخلت عالم الإذاعة و التلفزيون ،حيث كان هذا المجاهد واحدا من بين الرجال الذين حرروا الإذاعة والتلفزيون الجزائري يوم 28 أكتوير 1962مباشرة بعد استعادة استقلال الجزائر.
و قد فضلت أن أقدم شهادة مكتوبة عن هذا الصديق البشوش للأجيال خاصة اولئك الذين لم يعرفوا هذا الرجل الذي أصبح واحدا من نجوم التلفزيون الجزائري صحفيا جاب العديد من بقاع العالم و صحفيا متميزا في نشرة الثامنة.
و هذه هي الشهادة التي دونتها مكتوبة عن الصديق الراحل حراث بن جدو في كتابي الصادر العام الماضي تحت عنوان:
عشت مع أولئك..و عرفت هؤلاء.. يشكل حراث بن جدو الإنسان ظاهرة بحد ذاته، فهذا الرجل الذي عرفته منذ السبعينيات لم أشعر يوما بتغيره أو تبدله، فحتى بعد أن تجاوز عقده الثامن يشعرك الرجل بأنه شاب بمزاحه وعفويته وحيوته وصراحته وحتى ببعض تصرفاته إلى حد أن الكثير يصفه بالزهواني حسب التعبير الشعبي .
كما أن حراث إنْ قصدته في قضية إنسانية، فإنه لا يتردد، بل إنه يقف معك موقفا رجوليا نادرا، لأن الرجل لا يعرف التلون أو المواربة .
توطدت علاقتي به منذ بداية الثمانينيات وازدادت متانة مع التسعينيات.
فمع تحويلي مع مطلع السبعينيات للأخبار بالقناة الأولى للإذاعة وأنا أشق طريقي في عالم الأخبار صحفيا مبتدئا ومقدما للنشرات الإخبارية وحيث كان حراث نجما في أخبار التلفزيون، كنت ألتقي هذا النجم، ولكن لم أشعر يوما بأن الرجل يسكنه غرور أو أنه مهوس بعالم النجومية التلفزيونية التي ابتلي بها البعض، حيث كان بعض مقدمي نشرات الأخبار التلفزيونية يشعرون بنوع من التعالي على زملائهم في الإذاعة، ويحسبون أن زملاءهم في الإذاعة من الدرجة الثانية -رغم أن المؤسسة كانت واحدة قبل التقسيم عام 1986 – فإن حراث ظل متواضعا وبشوشا مع الجميع، فلم تكن الابتسامة تفارقه مطلقا، بل ويستحيل أن تجده مكشرا في وجهك، فعندما تقابله في المؤسسة أو عند باب المصعد قلما تسبقه إلى التحية حتى لدى تعيينه مديرا للتلفزيون، وقد يضيف لها تعليقا ساخرا كعادته، في حين كان البعض يمر أمامك مكشرا ينظر إلى الأعلى وينظر إليك من الأسفل، كأنه نجم هوليودي لا يجب أن يكون إلا هو في المصعد دون غيره، أو أنه كوكب علوي آت من السماء، والآخرون آتون من تحت الأرض !
يواصل الإعلامي محمد بوعزارة سرده :
“ولد الإعلامي حراث بن جدو في جانفي 1936 بقرية قريقر البعيدة عن مدينة تبسة بحوالي ستين كيلو مترا، ولكن إدارة البلدية سجلته بثمانية أشهر قبل ذلك، أي في 22 أفريل 1935حتى تحصل العائلة على المساعدات من قمح وسميد والتي كانت تقدم للفقراء في تلك الفترة العصيبة في حياة الشعب الجزائري …كان والده يمتلك قطعة أرضية فلاحية، ولكنه لم يكن باستطاعته استغلالها بسبب الفاقة ونقص الإمكانيات ….وكان الوالد الأخضر حراث حافظا للقرآن الكريم، وتربطه علاقة طيبة مع الشيخ العربي التبسي الذي افتتح في تلك الأعوام مدرسة تهذيب البنين والبنات بتبسة .
وذات يوم قصد والد الطفل حراث صديقه الشيخ العربي التبسي، وراح يحدثه عن ابنه الوحيد، وأنه يريد أن يدخله إلى المدرسة ليكون متعلما، وبما أنه لم تكن توجد أية مدرسة بقريته فإن الشيخ العربي نصح صديقه حراث بأن يترك القرية ويسكن مدينة تبسة ويتاجر في الملابس حتى يستطيع العيش هناك ويتمكن من تعليم ابنه بن جدو .
وبما أن الوالد الأخضر لم يكن يمتلك المال للتجارة أو الإقامة في مدينة تبسة، فإن الشيخ العربي التبسي رحمه أعطاه مبلغ 3000 فرنك فرنسي، وهو مبلغ كبير في تلك الفترة، وقال له :
عليك أن تتدبر أمرك للسكن وللتجارة، وإنه بإمكانك أن تعيد لي المبلغ إذا استطعت، وإذا لم تستطع فإنني أعتبر هذا المبلغ هدية لك من أجل مستقبل ابنك ودراسته…

*”وهذه شهادة الإعلامي خليفة بن قارة في الإعلامي حراث بن جدو :
” حراث بن جدو كان ومضة مضيئة في تاريخ الجزائر الإعلامي، خاصة الإذاعي والتلفزي منه .
بن جدو كان قد رضع الوطنية في عائلته، وتشبع بها في مدارس جمعية العلماء المسلمين، وأسفار الثورة التحريرية.
بن جدو كان فارسا من فرسان استرجاع الإذاعة والتلفزيون في ال28/10/1962 ، حينما أنزلوا العلم الفرنسي من على المبنى، واستبدلوه بالراية الوطنية، وربحوا معركة استمرار البث، بعد الانسحاب الجماعي للتقنيين الفرنسيين.
بن جدو أول من قدم نشرة إخبارية متلفزة بالأبيض والأسود في الجزائر التي استعادها الشهداء.
بن جدو كان بشوشا ذكيا حاضر البديهة، جذابا يعرف كيف يشد المشاهد شدا..
زاملته وقتا، وعرفته أكثر، حينما كنت ضمن الوفد الإعلامي، المكلف بتغطية أشغال القمة العربية، عام 1978على ما أذكر في تونس، كانت أول مهمة أُكلَّف بها في الخارج، ولم يمض على انتسابي إلى مهنة المتاعب الجميلة، في الإذاعة والتلفزيون الجزائة، إلا بضعة أعوام.
كان رجلا سمحا، مع أنه يبدو صعب المراس، ورغم أنني كنت يومئذ، وافدا جديدا على العمل الإذاعي، إلا أنه اختارني كي أنوبه- وكان رئيس الوفد الإعلامي الجزائري- في حفل استقبل وزير الإعلام التونسي للوفود الصحافية، التي جاءت لتغطية القمة العربية، قال لي رحمه الله، أعلم أنك ستمثِّل الإعلاميين الجزائريين أحسن تمثيل، لم أستطع أن أرفض له الأمر، شكرته وأنا أرتعد لثقل المسئولية التي حملني إياها .
لك ألف رحمة ورحمة عليك أيها الزميل الصديق، فقد كنت ظاهرة تلفزيونية لا تتكرر، ولأهلك ولنا الصبر الجميل …

كذلك عشت تفاصيله وعشت منطقه الإعلامي هذا المجال المجاهد الإعلامي الكبير حراث بن جدو الذي قال يوما :
” أفرح حينما أشاهد العلم الوطني الجزائري يرفرف من على مقر الاذاعة والتلفزيون ..لحظتها أكون أسعد شخص في العالم ” ..
وكذلك أفرح حينما تجدني وقد كتبت في هذا الكبير وأسعد ايضا بما ساعدني به الإعلامي الكبير محمد بوعزارة الذي نبهني إلى أن نرسم تراجم هؤلاء الكبار ..وفعلا كان بمعلوماته وسيرته معه أن عشت هذا المعنى وهذه الاضافات حينما سعدت بهذه المعطيات تعطيني خلاصة لهذا الكبير رحمه الله الذي اتعجب كثيرا كيف لايكرم وكيف لا يرسم الواقع الثقافي والإعلامي تكريما يليق بمقامه حينما كان حيا ..وإن كنت أعرف أن الكل تم نسيانهم وتناسيهم عن قصد لكن مقالاتي هذه هؤلاء هم في القلب أردتها تكريما لكل هؤلاء الأحياء والأموات ..خاصة وأننا نعيش جحودا رهيبا في ساحتنا الثقافية والإبداعية والإعلامية حيث لا يلبس الواقع والمهتمين أي اهتمام بهؤلاء الكبار هكذا هو جفاء وسحت ومرض في القلوب ..جنبنا الله هذا ..حينما نرسم خلاصة حبنا في الكل خاصة هذا الكبير الراحل الذي سحرني الإعلامي حراث بن جدو ..هذا الذي من صنفي ومن عائلتي ومن قبيلتي واحدا أقرب لي في تفاصيل الدنيا وفي الذاكرة رحمة الله مجاهدا إعلاميا كبيرا ..الأقرب لي واحدا مني ..وأنا منه بل يمكن لك القول ..أنه فعلا… في القلب ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *